Yahoo!

السر العظيم (رواية جديدة)

كتبهامحمد شُراب ، في 16 نيسان 2010 الساعة: 21:51 م

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;}

-تدعوني أمي للصلاة  لتستردي  عافيتك من هذا المرض اللعين.. تعلمين إنني ما كنت لأتأخر عن فعل شيء من أجلك،  لكنني لا أريد الصلاة ولا أحبها وأنت تعرفين ذلك.. أعرف أنك تكرهين سماع هذا مني، ولكنك مازلت صغيرة على فهم هذه الأمور.. ثم من يدري؟.. قد تستيقظين وأنا في الصلاة وتكونين بحاجة إلى الطعام أو الشراب ولا تستطيعين الوصول إليهما.. أليس بقائي بجوارك أفضل من هذا الهراء الذي يدعونه صلاة ؟!.. ثم ها هي أمنا تصلي منذ الصباح بلا فائدة!..

 

 

كان عقاب يحدث أخته هند وهو يعلم بأنها لا تسمعه، لكن ضميره كان يؤنبه لأن هناك من أرشده لفعل شيء ما من أجل أخته المريضة، ولكنه لا يريد فعله لمجرد أنه لا يتوافق مع هواه ومضاد لعناده .. لذا فقد كان يحاول إسكات الصوت المنبعث من ضميره بما يقوله لأخته الوحيدة التي تصغره بعقد كامل من العمر.. ولعله هو نفسه لم يكن مقتنعا بكلامه لها.. فمن يدري؟ ربما تكون بعض الحركات التي يعتبرها سخيفة وبلهاء ومثيرة للاشمئزاز، قد تفيد أخته التي ساءت حالتها وأصبحت أو كادت تغيب عن الدنيا تماما بسبب الحمى التي أصابتها منذ ثلاثة أيام (هكذا كان يقول لنفسه).. ولولا تلك الابتسامة الباهتة التي ارتسمت على شفتي أخته وما بدا له بأنه إيماءة بالموافقة على كلامه، لنهض على الفور واستمر في الصلاة حتى تُشفى أخته من مرضها..

 

لم يستطع عقاب تذكر كيف غافله النعاس وهو بجوار أخته، فعلى الرغم من تحذير أمه بالابتعاد عنها كي لا تصيبه عدوى، إلا أنه أصر على البقاء بجوارها يقظاً مصمما أن لا يضع في فمه طعاما أو شرابا قبل أن تأكل وتشرب هي.. في النهاية انتصر النعاس على الإرادة و السهر، واكتشف ذلك عندما أيقظته أمه في الصباح وهو غافياً بجوار أخته التي بدت بدورها تسترد شيئا من عافيتها..

 

كانت فرحته كبيرة عندما وجد أخته جالسة بجواره تنظر إليه بعينيها البنيتين اللتان طالما أحب أن تنظر إليه بهما.. كان يحب نظرات أخته إليه في كل حالاتها حتى حين تغضب منه، لكنه كان يكره رؤية الحزن فيهما ، بل كان يكره وبشدة من يتسبب في هذا الحزن حتى لو كانت نفسه، باختصار كان يحب أخته أكثر من نفسه، وفي أحيان كثيرة كان يغار من نفسه حين يفضله أحد عليها، وهو أمر يحدث كثيرا في مجتمع لا يعترف إلا بالذكر كبشر يستحق الحياة، بينما يعتبر الأنثى كمالية ثانوية في حياة الرجل ضمن كماليات كثيرة، والنساء أيضاً مقتنعون تماماً بهذا الحال وساهموا في تثبيته وترسيخه على مر الزمان، ومواقفهن أكثر تطرفاً من مواقف الرجال حيال هذا الأمر، فإن كان الرجال يفضلون الذكور على الإناث مرة، فالنساء يفعلون ذلك ألف مرة!

 

-        كلي كي يأكل أخوك.. فهو لم يأكل منذ أصابك المرض..

فتحت هند فمها بصعوبة لتناول الطعام من يد أمها بعد أن كانت تُشيح بوجهها الشاحب عنه، وبدأت تلوك الطعام في فمها بصعوبة  وهي تتابع نظرات عقاب التي كانت تحثها على فعل ذلك بتشجيع ورجاء.. كانت هي أيضاً تحب أخيها عقاب أكثر من أي شيء آخر في هذه الدنيا، فهو المصدر الوحيد للحنان بالنسبة لها، وعلى الرغم من كونها لم تبلغ ربيعها السادس، إلا أنها كانت تشع ذكاء وفطنة مكناها من إدراك موقعها تماما في هذه الدنيا، فهي تدرك تماماً أنه لولا عقاب، لما اهتم بها أحد.. حتى محاولات أمها وصبرها وإلحاحها عليها كي تأكل، كان من أجل عقاب وليس من أجلها.. كانت تعرف هذا كله وأكثر، و كانت راضية به وإن كان مرا.. هي أصلاً لم تكن تعرف مذاق حياتها لأنها لم تذق إلا طعما واحداً منها، ولكنها ووسط هذه القتامة، كانت سعيدة ببصيص النور المتمثل في وجود أخيها بجوارها دائما..

 

-        الآن ستذهبان لصلاة الشكر ولا أريد مجادلة في ذلك.. هل تفهمان؟

كان هذا أمرا من أم عقاب بعد أن تأكدت أن ابنها تناول طعامه مع أخته، وعلى الرغم من تبدل ملامح عقاب الذي ازدادت ضجرا وحنقا، نهضت هند من فراشها وتعمدت الاستناد على كتف أخيها كي تمنعه من قول شيء ما كان يهم بقوله، ولكنه سكت عندما تعثرت هند وسقطت من فرط ضعفها..

 

-        هل أنت بخير؟..

أجابت هند وهي تحاول النهوض مجددا بصعوبة شديدة

-        نعم ..أنا بخير .. بخير يا عقاب..

 

هتف عقاب مجدداً موجها حديثه لأمه

-        ألا ترين أنها مازالت ضعيفة من أثر المرض.. فلنؤجل هذه الصلاة حتى تسترد عافيتها بالكامل..

 

قاطعته هند وهي تقول:

-        سأشعر بخير لو ابتعدت عن هذا الفراش.. هيا بنا ولنذهب إلى البرية بعد الصلاة لأنني اشتقت لرؤية العشب والأشجار والزهور والطيور ..

 

تبعها عقاب ليلحق بها بعد أن ألقت عبارتها الأخيرة ومضت تتعثر في خطواتها كأنها طفلة تتعلم المشي لأول مرة في حياتها، كان يعرف أنها مازلت تشعر بالضعف والوهن بسبب بالمرض، ولولا أنه هو أيضاً يشعر بالوهن الشديد لامتناعه عن تناول الطعام والشراب، لقام بحملها على يديه كما كان يفعل وهي صغيرة..

 

وقف عقاب بجوار أخته التي تتهيأ للصلاة كما علمتها أمها، ثم همست لأخيها وكأنها لا تريد أن يسمعها أحد

-        أعرف أنك تبغض هذا.. وأنا أيضاً أكرهه.. ولكن افعله من أجلي وليس من أجله..

 

زفر عقاب بضيق وهو يومئ برأسه موافقا، بينما سجدت هند بخشوع تتمتم، بقي عقاب واقفا يتأملها للحظات، ثم ركع على ركبتيه وسجد بجوار أخته صامتاً بعض الوقت، ثم لاحظت هند بأنه يحاول كتم ضحكه بلا جدوى، ثم انفجر مرة واحدة في الضحك وانقلب على ظهره يقهقه بصوت عال، مما دفع هند للضحك وكأن العدوى أصابتها..

 

- لا أعرف كيف أستطيع الخشوع أمام هذا الشكل القبيح المثير للضحك.. انظري إليه.. ألا يُشبه حبة البطاطا الحُبلى؟..

 

حاولت هند كتم ضحكاتها لتحث أخوها على التأدب في حضرة الإله، لكنها لم تستطع بسبب كلماته عندما قال بصعوبة من كثرة الضحك:

-        أقسم بأن من نحت هذا الشيء قام بذلك وهو تحت تأثير الخمر.. كيف يكون إلهاً وهو بهذا القبح!.. ثم لماذا لم يلد حتى الآن؟.. منذ أحضره أبي غنيمة من قبيلة وشاع وهو على هذه الحالة.. في البداية كنت أشفق عليه لأنني ظننته يتألم من أثار الحمل، وكنت أذهب إليه كل صباح لأنظر إن كان قد وضع إلهاً صغيراً لألعب معه..

 

شعرت هند بشيء من القلق على أخوها وهو يمعن في إهانة الإله الذي بدت لها ملامحه تكتسي بشيء من الغضب، فقالت بقلق..

- تقول أمي أن بطنه انتفخت من  الحكمة ونذور المؤمنين..  أخشى عليك يا عقاب من أن تصيبك لعنة وأنت تمعن في أهانته والسخرية منه..

 

-        لعنة؟!.. أيملك هذا القبيح فعل شيء لنفسه أو لغيره.. سأريك شيئا أفعله منذ زمن كلما اختليت به ..

 

توجه عقاب نحو الصنم بينما كانت نظرات أخته تراقبه بقلق، ثم هتفت بذعر

- لا تفعل.. أرجوك لا تفعل..

 

لم يكترث عقاب بنداء أخته واقترب أكثر من الصنم الرابض في أجمل خيمات القبيلة، ثم انهال عليه صفعاً وركلا حتى انفرط العقد الكبير الذي يزين عنق الصنم.. لم تكن هذه المرة الأولى التي يفعل فيها عقاب هذا، فمنذ زمن بعيد قبل أن تولد هند بشهور، سجد عقاب أمام الإله الذي أحضره والده من إحدى غاراته، يرجوه أن يُعيد إليه أخوته الذين قضوا بسبب الوباء الذي أصاب القبيلة وتسبب في موت الكثير من أهلها.. لكن دعواته لم تستجب.. وعندما خطرت له فكرة أن الوباء سببه لعنة من الإله جزاء ما فعله والده بالقبيلة التي كان فيها قبل أن يُغير عليها، انهال عليه بالضرب والشتائم انتقاماً منه.. يومها بات عقاب ليلته وهو مرعوب، وكان يظن أنه سيستيقظ من النوم مشلولاً أو ممسوخاً بسبب فعلته.. لكن الأيام مضت دون أن يحدث شيئا لعقاب.. ثم اكتشف مع الوقت بأن هذا الإله مجرد حجر لا حول له ولا قوة، لكنه لم يستطيع إيصال قناعاته هذه لأحد لما لهذا الحجر من قدسية وهيبة لدى أسرته وسائر أهل القبيلة ..

 

عندما خرج عقاب وهند من الخيمة، أبدت الأخيرة قلقها مما سيحدث حين يكتشفوا انفراط العقد الكبير الذي يزين عنق الصنم بسبب ضرب عقاب له.. لكن عقاب قابل قلقها بالضحك والسخرية وأجابها قائلا:

-        سأحكي لك حكاية ستكتشفين بعدها مدى حماقة هؤلاء القوم.. في أحد الأيام وبعد أن ضربني والدي ضرباً شديداً لامتناعي عن السجود للإله والسخرية منه، قررت الانتقام من هذا الإله الذي أُضرب بسببه.. ذهبت في أحد الليالي خلسة إلى خيمته فوجدته جالساً كعادته بحماقته وقبحه وقلت له: إن كنت حقاً تستطيع أن تمنع الأذى عن نفسك فافعل الآن.. ثم قمت بالتبول عليه ..

 

لم يكترث عقاب بشهقة أخته التي أفزعها كلامه فتابع قائلا:

- في الصباح جمع كاهن القرية أفراد القبيلة وحثهم على تقديم القرابين والنذور إرضاء لإلهه المزعوم الذي كان يبكي طوال الليل من قلة النذور والقرابين.. لقد ظن الجميع أن الإله كان يبكي فازدادوا إيماناً به!.. لذا،حين يكتشفوا انفراط العقد، سيظنون أيضاً بأنه هو الذي فعل هذا ليحظى بعقد أجمل وأثمن يناسب مقامه الرفيع!.. لن يعدموا حيلة في إيجاد ما يعمق إيمانهم بهذا الحجر ..

 

لم تفهم هند من كلام أخيها شيئا سوى أنهم سيكونون بخير حتى لو اكتشفوا انفراط العقد.. لكنها كانت تشعر بالخوف الشديد من حديث عقاب وما قد يجره من عواقب، فإن كان عقلها لم يستوعب كلامه لأنها مازالت صغيرة حسب وصفه لها دوما، لكنها كانت تعلم أيضاً بأن عقاب ما يزال هو أيضاً صغيراً بالنسبة لوالدها الذي يجل هذا الإله ..

 

 لم يكن يعنيها كثيرا أو قليلاً إن كان هذا الصنم إلهاً حقيقياً أم مجرد حجر قبيح، لكنها كانت معنية بأن لا يتسبب هذا الصنم في مشاكل أخرى تسمم حياتها وحياة أخيها الذي يعطف عليها.. فعلى الرغم من كون هند ابنة سيد القبيلة الذي يُحسب له ألف حساب، إلا أن القبيلة كلها كانت تعتبرها شؤم ونحس لأنها ولدت في عام الوباء الذي حل بالقبيلة، لذا كان الجميع ينفر منها ويتحاشاها، حتى البنات اللواتي في مثل عمرها كانوا يتجنبن اللعب معها أو التقرب منها لما سمعنه عنها من ذويهم، لكن لا تجرؤ إحداهن على نعتها بما سمعته عنها في وجهها لأنها ابنة سيد القبيلة وفارسها الأول، وهو رجل قاسي القلب لا يعرف الرحمة والشفقة..

 

والدها كان قاسياً معها أيضاً، فهو الوحيد الذي كان يصفها دوماً بأنها نحس ومصدر شؤم، لذا كانت تتحاشى التواجد في مكان يكون فيه، لكن براءتها وصغر سنها منعا أي أثر لذلك في نفسها، ولعل رعاية عقاب لها وعطفه عليها خففا من أثر ذلك على نفسها فتعودت على هذا الحال وتأقلمت معه واكتفت بوجود أخيها بجوارها..

 

أما عقاب فلم يكن راضياً بأي حال، كان متمردا على كل شيء سواء كان صوابا أو خطأ، وتمرده عزله عن القبيلة تماماً، فهو دائما خارج القبيلة في البرية التي يحبها، كان يلهو فيها يلاحق الفراشات ويتسلق الأشجار ويصعد الجبال، وهو أمر بدا تافهاً بالنسبة لاهتمامات الفتية اللذين في مثل عمره، ففي داخل القبيلة كان الفتية منشغلون بتكوين شخصياتهم كرجال بالتدرب على السيف والفروسية وملاحقة الجواري والتباري في شرب الخمر..

 

عندما وصل عقاب وهند إلى البرية، كان الجو غائماً وكئيباً على الرغم من انتهاء الشتاء وقدوم فصل الربيع، فقد بدت الطيور وكأنها اتفقت فيما بينها على الصمت، وضمت الزهور الصفراء بتلاتها تترقب أشعة الشمس لتعاود التفتح من جديد.. كان عقاب يتمنى لو أن البرية تبتهج لابتهاجه بشفاء أخته، كان يبحث بعينيه عن فراشة ليلاحقها ويقفز لالتقاطها محاولاً الإمساك بها، بينما تردد الجبال صدى ضحكات أخته عندما تنتصر الفراشة عليه وتفلت من يديه..

 

-هل شاهدت الغول مجدداً؟

 

صمت عقاب طويلاً قبل أن يُجيب أخته ثم همس قائلا:

- نعم.. ذهبت إليه في المغارة أطلب منه المساعدة لأجلك، ولكنه عبر عن أسفه وقال أنه لا يستطيع أن يفيدني في شيء..

- هل مازال يرتجف حين تكلمه؟!

 

هتف عقاب بحدة ولوم:

- كأنكِ لا تصدقيني.. هيا نذهب إليه لترينه بنفسك.. في البداية ستخافين  منه لغرابة شكله، لكنك ستعتادين عليه..

- أقسم لك بأنني أصدقك، ولكنني أخاف منه وأنت تتحدث عنه، فكيف حين أراه.. هل يشبه أحدا في قبيلتنا؟..

 

صمت عقاب لبعض الوقت قبل أن يجيب على كلام أخته.. ثم استلقى على ظهره وهو يقول:

-        كُفي عن هذه السيرة طالما تخشين الحديث عنه!

-        لا لا .. أريد أن أعرف.. يشبه من في قبيلتنا؟

-        لا يشبه أحد أعرفه وإن كانت عيناه كعين كاهن القرية العجوز.. ثمة أمر يجعلني كلما نظرت في عينيه وكأنني أنظر لعينا ذلك الكاهن الوضيع .. لكن في الحقيقة عينيه تشبهان عيني الحصان، إلا أن لونهما أحمر ، له قدمين مثلنا ولكن يديه تصلان لركبته حين ينتصب واقفا، فهما طويلتان بالنسبة لأيدينا.. أما رأسه ففيها عظمتين بارزتين كقرني حمل صغير، وفمه أيضا..

-        كفى يا عقاب..لا أريد أن أسمع المزيد عن هذا الغول..

 

توقف عقاب عن الكلام امتثالاً لكلام أخته..ثم اعتدل في جلسته وهو يقول:

-        أنت طلبت هذا..ومع ذلك أؤكد لك بأنه ليس مخيفاً، بل أنه حين يراني يرتجف مني ويرجوني بأن لا أؤذيه..لم أشاهد أحدا في مثل جبنه، هو جبان ويخاف من أي شيء ويصرخ ويبكي مثل الأطفال إن اقتربت منه..

 

قالت هند وهي تشبك ذراعيها إلى صدرها اتقاء البرد..

-        الناس تخاف من الغيلان وليس العكس!..

 

ابتسم عقاب وكأنه تذكر شيئا ثم قال

-هو لا يحب بأن أناديه بالغول.. يقول ان اسمه زندار!.. قال لي مرة أن عمره أكثر من أربعمائة عام!.. وأنه مختبئ في تلك المغارة خوفاً من ساحر مكة الذي أغلق السماء!

- نعم .. قالت لي أمي بأن الغيلان تخشى من السحرة .. ولكن أليست مكة بعيدة بما فيه الكفاية عن قبيلتنا؟

-صحيح.. مكة في جزيرة العرب، ونحن هنا في الشام نبعد عنها مسيرة أيام.. لكن يبدو أن ذلك الساحر صاحب قوة وبطش.. فمن يستطيع إغلاق السماء، بإمكانه الوصول إلى هنا متى شاء ذلك ..ويُقال أيضاً بأنه سافر من مكة إلى بيت المقدس ثم عاد مرة أخرى في ليلة واحدة..

-ولكنني لا أرى السماء مغلقة، فمنذ وعيت على هذه الدنيا وأنا أراها هكذا..

-يقول أنه كان يستطيع الطيران واختراق السماء في لمحة البصر.. ولكنها أصبحت الآن مليئة بحرس يقذفون كل من يحاول..

 

بتر عقاب عبارته فجأة ونهض واقفاً يستطلع أمر ما، ثم جلس على الصخرة بجوار أخته وهو يزفر بضيق قائلا:

-        ها قد عاد أبي مع الفرسان.. يبدو أن غارتهم هذه المرة كانت على إحدى القبائل القريبة منا، فلم يدم غيابهم سوى خمسة أيام فقط..

 

صعدت هند على الصخرة التي جلس عليها عقاب واستندت بيدها على كتفه لتشاهد الخيول وهي تثير الغبار متوجهة إلى القبيلة.. لم تكن متضايقة كما هو الحال مع عقاب، ولكنها كانت قلقة.. فمجرد وجود والدها في القبيلة يشعرها بالخوف الشديد على الرغم من إنها تبذل كل ما في وسعها كي لا يراها أو يسمع لها صوتا..

 

اجتمع أفراد القبيلة في الساحة لاستقبال الفرسان ومشاهدة الغنائم التي أتوا بها من غارتهم الأخيرة .. كانت معظم الغنائم عبارة عن أبل وأغنام وسبايا وبعض الأثاث الثمين من فرش وأواني، وكان من بين الغنائم جملاً يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً من السيوف والرماح والدروع.. عندما دخل عقاب وأخته إلى القبيلة، سارعت الأخيرة إلى حيث أمها لتتوارى عن الأنظار، بينما اقترب عقاب من الحشد الذي التف حول فرسان القبيلة الملثمين..

 

كان عقاب يعدهم في كل مرة يعودون فيها ليتأكد من كامل عددهم، وكان يُسر كثيراً حين يكتشف نقصان عددهم، لكنهم هذه المرة عادوا بكامل عددهم.. يبدو أنهم لم يخوضوا معركة صعبة مع القبيلة التي أغاروا عليها.. لكن تُرى؟.. أي القبائل هاجموا هذه المرة؟!..(كان عقاب يحدث نفسه، ثم انتبه إلى صوت والده الذي ترجل من حصانه وهو يخطب في أفراد قبيلته بصوته الجهوري) :

-        كنت قد وعدتكم بأن تدفع قبيلة حسان ثمن اهانتها لنا عندما طلبت نسبهم ورفضوا، وتعلمون أنني قطعت عهداً على نفسي أمام الآلهة، بأن لا أتزوج  ولا أقرب النساء قبل أن أثأر لكرامتي ولشرفكم.. واليوم هاهو سيد قبيلة حسان مقيدا في حصاني ينتظر الذبح في ساحة قبيلتنا التي سخر منها واستهزأ بها.. أين ولدي عقاب؟؟

 

كان والد عقاب طويل القامة قاسي الملامح منحته لحيتة الكثيفة هيبة ووقارا، فعلى الرغم من صغر سنه بالنسبة لشيوخ القبائل، إلا أنه كان يبدو أكبر من عمره الحقيقي نظراً لهيئته وسلوكه مع قومه .. تقدم عقاب نحو والده لتلبية ندائه، فهتف الأخير صائحاً وهو يستل سيفه..

-        تقدم كي تثأر لكرامة أبيك..

 

كان عقاب يكره حمل السيف ولكن الموقف الذي وضعه فيه أبوه، جعله يلتقط السيف من يده وهو يرجو أن يحدث أمر ما يحول بينه وبين هذه المهمة.. لم يقتل عقاب إنساناً في حياته، وإن كان يتمنى لو أنه يفعل مع كثير من أفراد قبيلته..

 

عندما اقترب عقاب من الرجل المقيد ليختبر نفسه إن كان يستطيع تنفيذ رغبة والده، اكتشف أن الرجل شيخاً كبيرا بدا عليه التعب والإرهاق وأثار التنكيل.. رفع رأسه ونظر إلى عقاب بعينين تملؤهما الحسرة والألم،

 لكنهما تخلوان تماماً من أي علامة خوف أو رجاء .. ثم قال بصوت منخفض بالكاد سمعه عقاب:

-        إن كنت فاعلاً، فاغرس سيفك في صدري لاتكئ عليه فأنهي حياتي بنفسي، فلا أظن أن يدك المرتجفة بقادرة على الإطاحة برأسي من ضربة واحدة..

 

اكتشف عقاب أن يده بالفعل ترتجف بشدة، بل أن كيانه كله ينتفض وكأن جسده يعلن للقبيلة التي تراقبه في هذه اللحظة بأنه جبانا لا يستطيع قتل شيخاً مشدود الوثاق.. كان عقاب يدرك في قرار نفسه بأنه ليس جباناً كما يغمزه أبناء عمومته، ولكنه لا يحب القتل ولا يرى في قتل شيخا ضعيفاً أعزلا رجولة أو شجاعة، ولكن قبيلته كانت تختلف عن معظم قبائل العرب، فأفرادها لا يعترفون بقيم الفروسية والأخلاق التي تتحلى بها القبائل الشريفة صاحبة الأصول العريقة.. كانت قبيلة عاوي التي ينتسب إليها عقاب أقرب إلى أخلاق قطاع الطرق واللصوص، حتى عندما كان أفرادها يغيرون على قبيلة أخرى، كانوا يفعلون ذلك غدرا وغيلة متخفين وراء لثام كي لا يعرفهم أحد..

 

 

شعر عقاب بقبضة السيف في يده كأنها تحثه على أن يتركه ليسقط على الأرض، ولكنه كان يدرك بأنه لو فعل فلن يسلم من أذى والده الذي يريد التباهي به في هذه اللحظة.. كان يشعر أيضاً بنفاذ صبر والده وهو يراقبه ويحثه على الإسراع في تنفيذ الأمر، وقبل أن يتخذ قراره بإسقاط السيف من يده أو استعماله.. لفت انتباهه صراخ صبية في مثل عمره كانت تركض نحوه ويديها مقيدتان بحبل ترجوه أن لا يقتل والدها، إلا أن صراخها  توقف عندما ضربها سيد القبيلة بعنف على وجهها بغمد سيفه فأسقطها أرضا تحت أقدام عقاب..

 

نظر عقاب إلى الصبية التي رفعت رأسها من التراب فالتقت عينيه بعينيها الممتلئتان حزناً وقهراً ورعبا .. كان وجهها ينزف بغزارة وكأن الدماء تغسله من أثر التراب، لكنه استطاع رؤية ملامحها بوضوح، كانت تشبه  إلى حد كبير أخته هند، إلا انها أكبر منها في العمر..

 

-        لا تبكي يا ليلى، فدموعك تزيدهم شماتة وتزيدني حسرة..

 

كانت ليلى ترد على كلام أبيها الذي ينتظر منيته بسيف عقاب، إلا أن الأخير لم يسمع حديثها بسبب نداء والده الذي صرخ قائلاً:

-ماذا تنتظر؟!! .. هيا اقتله وسأهبك ابنته جارية لك.. 

 

ظل عقاب واقفا في مكانه لا يدري ما يفعل، ثم اقترب منه والده وهو يقول:

-هيا يا ولدي فأنت على أعتاب درب الرجال.. اقتله فوراً ولا تحرجني بترددك..

- أولا أصبح رجلاً إلا إذا قتلت رجلاً أعزلا في قيده؟!

- اسمع أيها الغبي.. أنت في هذه الحالة لا تقتل رجلاً.. بل تقتل الرحمة في صدرك.. إن الرحمة عار في قلوب الرجال الحقيقيين..

 

كان أوس قريبا من الحوار الدائر بين عقاب وأبيه فتدخل قائلا بسخرية واستهزاء:

-        إن أراد نزع الرحمة من قلبه حقاً، فعليه بإذلال ابنته أمامه، وبعد أن يفرغ منها، ينتزع قلبه من أحشائه..

التفت والد عقاب بغضب إلى ابن أخيه أوس ثم وجه إليه صفعة قوية أسقطته أرضاً وقال له مهدداً:

- ما رأيك لو جعلته يذل أمك أمامك، ثم يقيدك بأحشائها ويسحلك خلفه على جواده.. ألن يكون ذلك أكثر قسوة واجتثاثاً لجذور الرحمة من قلبه؟!

 

 

يدرك أوس بأن عمه يستطيع فعل ذلك وأكثر، ولذلك لعن الساعة التي جعلته يتدخل فيما لا يعنيه.. لكنه لم يستطع مقاومة حقده وكرهه لعقاب، ورغبته في إثبات نفسه أمام عمه ليضمه إلى فرسانه المقربين منه.. كان أوس يعرف بأن ابن عمه عقاب سيصبح سيد القبيلة بعد أن يرث كل شيء عن أبيه، ولذلك كان يغار منه بشدة مع أنه يكبره بأربعة أعوام، لكنه ومن خلال مراقبته لسلوك عقاب وزهده في السيف والفروسية، أدرك بأنه لن ينجح في نيل رضا أبيه أبدا، بل أنه راهن أخوته بأن أبيه  سيقتله قبل أن يشتد عوده، إما لاستخفافه بالآلهة التي يجلها ولا يعصي لها أمرا، أو لكراهيته لنمط الحياة في القبيلة..  

 

لم يفهم أوس إن كان ما فعله عقاب شجاعة أم جبناً، فلقد فاجئ الجميع بإلقاء السيف من يده رافضاً بذلك تنفيذ أمر أبيه، كان كل من يشاهد الحدث يدرك بأن عقاب ميت لا محالة لأنه عصى أمر والده علناً أمام أهل القبيلة كلهم.. وقبل أن يستغرقوا في التفكير لتخمين مصير عقاب، اقتحمت مجموعة من الخيول مضارب القبيلة جذبت انتباه الجميع..

 

كان عددهم ثمانية فرسان يتقدمهم قائدهم، لكن سكان القبيلة أفسحوا لهم الطريق باحترام بلا أي اعتراض..

 

-ما الذي يحدث هنا يا بن عاوي؟.. ولماذا أنتم مجتمعين هكذا؟ّ!

 

تقدم والد عقاب من قائد الفرسان الذي بقي على صهوة حصانه وهو يهتف قائلاً:

-        مرحباً بالضابط سبتو ومن معه.. لو علمنا بقدومكم لهيئنا القبيلة لاستقبالكم..

-        لم تجبني يا بن عاوي.. ما الذي يحدث هنا؟

-        لا شيء على الإطلاق.. أدبنا قبيلة تطاولت على شرفنا وحصتكم محفوظة في الغنائم بكل تأكيد..

-        قبيلة من ؟

-        قبيلة حسان

 

صمت الضابط الروماني بعض الوقت وكأنه يحاول تذكر الاسم، ثم هز برأسه وكأنه التقط الفكرة..

-        نعم تذكرت.. لقد رفض سيد تلك القبيلة القدوم إلى الحصن عندما استدعاه قائد الجيش.. ولولا فصل الشتاء لسبقناك إليها لنؤدبها ونؤدب سيدها بطريقتنا..

-        ها هو سيد القبيلة أمامك يا سيدي.. تستطيع أخذه معك مع حصتكم في الغنائم..

 

ترجل الضابط الروماني من على حصانه ثم اقترب من الرجل المقيد.. وبسرعة من تعود على هكذا أمر، استل سيفه فجأة وهوى به على عنق سيد قبيلة حسان ففصل رأسه عن جسده.. انحنى الضابط الروماني ليتلقط الرأس المقطوعة وهو يقول:

-        تكفيني هذه أعلقها على باب الحصن ليعرف سادة القبائل مصير من يخالف لنا أمرا.. وتذكر بأنه يحظر عليك الاقتراب من القبائل المتحالفة معنا..

 

كان الضابط يتوجه نحو حصانه وهو يكلم أبي عقاب، ثم استدار فجأة عندما سمع صراخ ليلى ابنة حسان وهي تبكي وتنتحب على موت أبيها.. فاتجه إليها وجذبها من شعرها بقسوة مما أرغمها على الوقوف

-        أهذه ابنته؟

 

كانت ليلى تصارع بكل قوتها لتفلت من يده لتعود إلى أبيها، إلا أنها لم تفلح

-نعم .. هي كل ما تبقى من ذريته

-ألك حاجة بها، أم تضمها إلى حصتنا من الغنائم ؟

-لقد وهبتها قبل قليل لابني عقاب.. لذا أصبحت ملكه وهو الوحيد الذي يستطيع التصرف فيها، فإن شاء تنازل لك عنها..

- وأين ولدك عقاب؟

- ها هو، فقد كان على وشك قتل حسان قبل قدومكم..

 

نظر الضابط الروماني إلى عقاب بينما كانت يده تطبق بقوة على شعر ليلى التي خارت قواها تماما وبدت غائبة عن الوعي، ثم قال:

-معذرة أيها الذئب الصغير إن كنا أفسدنا عليك التهام فريستك، لكننا نطمع في كرمك أكثر ونحب أن تتنازل لنا عن هذه الجارية..

 

تقدم عقاب من الضابط الروماني ونظر في عينيه بتحدي واضح

-        وأنا لا أحب أن أتنازل لكم عنها..

 

تفاجئ الضابط الروماني من رد عقاب عليه، وكانت المفاجئة أكبر لكل أهل القبيلة وفرسانها الذين أدهشهم موقف التحدي الذي اتخذه عقاب.. أما والد الأخير، فلم يكن يدري إن كان يفرح لشجاعة ابنه أم يغضب منه، لكنه تدخل أخيرا وهو يقول:

-إنها جاريته الأولى وهو يريدها لإذلالها من أجلي، ولكن إن شئت أعطيتك عشر جواري عوضاً عنها..

 

دفع الضابط الروماني ليلى على الأرض فسقطت بلا حراك، بينما وجه كلامه إلى عقاب قائلا:

-يبدو أنك تفتقد كرم أبيك وحسن ضيافته.. على كل حال لا حاجة لنا بها، فهي ينقصها الأنوثة الكاملة ولا أظنها تساوي ثمن كأسي شراب.. لكن احذر منها، فهي على ما يبدو شديدة الشراسة والعناد وبحاجة إلى الترويض..

 

بقي عقاب صامتاً بينما هتف والده وهو يضحك باصطناع:

-        ترويض الجواري أسهل من ترويض الجياد، ونحن أهل خبرة في  ذلك..

-        لا تنسى العشرة جواري التي وعدت بها وأنت ترسل لنا حصتنا في الغنائم..

كان هذا آخر كلام الضابط الروماني الذي اعتلى حصانه وغادر القرية هو من معه..

 

قد يستطيع المرء أن يعزل نفسه عن الشر.. لكن عندما يحاصره الشر من كل اتجاه، فلا سبيل للخلاص إلا باقتحامه.. فهل سيحاصر الشر عقاب؟ وهل لديه القدرة على اقتحامه، سأعرف وتعرفون عندما أكتب الجزء الثاني إن شاء الله..

دمتم بخير

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك